رصد موقع "أوراسيا بيس" التحولات الأخيرة في مسار العلاقات المصرية التركية، بعد سنوات من القطيعة بين البلدين، على خلفية الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي.
وسلط الضوء على زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في 4 فبراير 2026، وهي الثانية منذ استئناف العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل. والتقى خلالها قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، فيما وصفه الموقع بالتحول العميق في العلاقات الثنائية.
شراكة استراتيجية متكاملة
وذكر أن كلاً من السيسي وأرودغان حدّدا هدفًا واضحًا خلال لقائهما الأخير: الانتقال بالعلاقات من مجرد تطبيع إلى شراكة استراتيجية متكاملة، وقدّم الرئيس التركي لنظيره المصري سيارة كهربائية تركية من طراز TOGG، في لفتة دبلوماسية أبرزت طموحات أنقرة التكنولوجية والصناعية.
ورأى الموقع أن القمة شكّلت نقطة تحوّل حاسمة، لا سيما على الصعيد العسكري. فقد وقّعت الحكومتان اتفاقية إطارية للتعاون العسكري، والتي رسّخت التعاون الأمني بين أنقرة والقاهرة. وحصلت الصناعات الدفاعية التركية على عقد تصدير بقيمة 350 مليون دولار، يشمل بيع منظومة الدفاع الجوي قصيرة المدى "تولجا" بقيمة 130 مليون دولار.
كما خطط الجانبان لاستثمار 220 مليون دولار لإنشاء خطوط إنتاج ذخيرة مدفعية عيار 155 ملم في مصر، مما يعزز استقلالية القاهرة الاستراتيجية ويخلق ترابطًا عسكريًا صناعيًا مستدامًا. وتناولت المناقشات أيضًا الإنتاج المشترك للطائرات المسيّرة، واهتمام مصر المعلن بمشروع المقاتلة الشبحية التركية "كان"، مما يُعدّ مؤشرًا على مستوى غير مسبوق من التكامل الاستراتيجي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أشار الموقع إلى أن أردوغان والسيسي وضعا هدفًا طموحًا يتمثل في زيادة حجم التبادل التجاري من 9 مليارات دولار إلى 15 مليار دولار خلال السنوات القادمة.
وأصبحت مصر الشريك التجاري الرئيس لتركيا في أفريقيا، وهدفت الزيارة إلى إزالة العوائق الإدارية واللوجستية لتسريع الاستثمارات العابرة للحدود وتسهيل حركة التجارة. كما شهد قطاع السياحة نموًا ملحوظًا، مع توقعات بزيادة قدرها 43 بالمائة في عدد السياح الأتراك الوافدين إلى مصر بحلول عام 2025، وهو مؤشر ملموس على عودة العلاقات إلى طبيعتها.
التقارب الجيوسياسي
وإلى جانب البُعدين العسكري والاقتصادي، قال الموقع إن التقارب الجيوسياسي شكّل الرابط الحقيقي لهذا التقارب. ففيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، قدّم السيسي وأردوغان موقفًا مشتركًا، رافضين أي تهجير قسري للفلسطينيين، وداعين إلى انسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة.
ونسّقت القاهرة وأنقرة جهودهما لترسيخ وقف إطلاق النار وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية، مع احتفاظ مصر بدورها المحوري كوسيط، بينما حشدت تركيا ثقلها الدبلوماسي على الساحة الدولية.
وفي مواجهة التوترات المتصاعدة، ولا سيما تلك المتعلقة بمحاولات الاعتراف بأرض الصومال (المدعومة من إسرائيل وإثيوبيا والإمارات العربية المتحدة)، أكّدت أنقرة والقاهرة دعمهما لوحدة الصومال وسلامة أراضيه. وقد تُرجم هذا الموقف إلى تعزيز وجودهما العسكري في مقديشو، ولا سيما بنشر تركيا لسفينة الإنزال البرمائية "تي سي جي سانجاكتار".
أما فيما يخص القضية السودانية، فقد دعمت الدولتان المؤسسات الوطنية، ودعتا إلى هدنة إنسانية تليها عملية سياسية شاملة. وفي ليبيا، التي كانت لفترة طويلة ساحة صراع بالوكالة، يوجد الآن إجماع يهدف إلى الحفاظ على سيادتها وتوحيد مؤسساتها، بما في ذلك المؤسسة العسكرية، من خلال رفض التدخل الأجنبي.
الربيع العربي والنموذج التركي
وقال الموقع إنه لا يمكن فهم قمة القاهرة في فبراير 2026 دون دراسة المسار الذي سبقها؛ فمنذ بداية الربيع العربي عام 2011، مرت العلاقات التركية المصرية بمراحل من التقارب والقطيعة والمواجهة غير المباشرة قبل أن تتوج بالتعاون العملي.
وفي عام 2011، رأت تركيا في الربيع العربي فرصة استراتيجية هامة، وروّجت لما يُعرف بـ" النموذج التركي"، الذي يجمع بين الإسلام السياسي والانتخابات واقتصاد السوق. ودعا أردوغان علنًا إلى رحيل حسني مبارك، وقدّم نفسه كداعم للتطلعات الديمقراطية المصرية.
وخلال زيارته للقاهرة في سبتمبر 2011، استُقبل بحفاوة من قبل شريحة من الشعب، وقد عزز انتخاب محمد مرسي عام 2012 هذا التوجه، وقدمت تركيا دعمًا سياسيًا كبيرًا، بينما وصف وزير الخارجية التركي آنذاك، أحمد داود أوغلو، العلاقة بأنها "محور للديمقراطية".
قطع العلاقات بين تركيا ومصر
وانقطعت العلاقات في يوليو 2013، عندما أطاح الجيش بمحمد مرسي. وصفت أنقرة الحدث بالانقلاب، ونددت بإزاحة رئيس منتخب، بينما اعتبرت القاهرة الدعم التركي لجماعة الإخوان المسلمين تدخلاً. وأسفرت الأزمة الدبلوماسية عن طرد السفراء والتدهور المستمر في العلاقات.
ثم انتقل التنافس إلى ساحات إقليمية، ففي ليبيا، دعمت تركيا حكومة طرابلس، بينما ساندت مصر المشير حفتر. وأدى التدخل التركي في الفترة 2019-2020 إلى وقف تقدم القوات المدعومة من شرق ليبيا، وزاد من حدة التوترات.
وفي الوقت نفسه، تصاعدت المنافسة على الطاقة في شرق المتوسط عندما انضمت مصر إلى منتدى غاز شرق المتوسط مع اليونان وقبرص وإسرائيل، مستبعدةً تركيا. وردت أنقرة بتطوير عقيدة "الوطن الأزرق"، وتحدي الحدود البحرية القائمة.
وابتداءً من عام 2021، بدأ تحولٌ عملي، إذ انتهجت تركيا سياسة التطبيع الإقليمي استجابةً لتحدياتها الاقتصادية والجيوسياسية، بينما سعت مصر إلى تنويع شراكاتها استجابةً للقضايا الجيوسياسية. وبدأ هذا التقارب بدبلوماسيةٍ سرية بين أجهزة الاستخبارات والخبراء التقنيين.
وجاءت اللحظة الرمزية الحاسمة خلال بطولة كأس العالم 2022 في قطر. فبوساطة الأمير تميم بن حمد آل ثاني، تبادل السيسي وأردوغان مصافحة علنية على هامش حفل الافتتاح. وقد أزالت هذه البادرة حاجزًا نفسيًا كبيرًا وعجّلت من عملية تطبيع العلاقات.
وفي عام 2023، استؤنفت العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل. وعززت زيارة أردوغان إلى القاهرة في فبراير 2024 هذا الزخم، الذي تُوّج في عام 2026 بإضفاء الطابع المؤسسي على شراكة استراتيجية شاملة.
وفي نهاية المطاف، لم يقتصر اجتماع الرابع من فبراير 2026 في القاهرة على طي صفحة "عقد ضائع" فحسب، بل وضع أسس بنية قوى جديدة في شرق المتوسط. ويُظهر إنشاء إطار مؤسسي مستدام، من خلال مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، التزامًا بالعلاقة طويلة الأمد.
وقد تحولت القضايا التي كانت مصدرًا للتوتر - ليبيا والسودان والقرن الأفريقي - تدريجيًا إلى مجالات للحوار والتنسيق. هذا التغيير في التموضع، الذي يسترشد بمنطق واضح للواقعية السياسية، واتفاقيات الدفاع، والهدف الطموح المتمثل في 15 مليار دولار من التجارة الثنائية، يخلق ترابطًا يجعل أي عودة إلى العداء مكلفة وغير منطقية.
وإلى جانب البُعد الثنائي، يُمثل هذا التقارب جزءًا من إعادة تشكيل أوسع لديناميكيات القوى الإقليمية. ففي منطقة الشرق الأوسط التي تتسم بعدم الاستقرار، وتفكك التحالفات، وتزايد الأزمات، يميل التعاون التركي المصري إلى لعب دورٍ مُستقر.
ومن خلال تنسيق مواقفهما بشأن غزة والبحر الأحمر والأمن في شمال أفريقيا، تسعى أنقرة والقاهرة إلى ممارسة نفوذ أكبر على بنية الأمن الإقليمي. وبينما لا تُزيل هذه الشراكة، التي تهدف إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة لعام 2026، جميع الخلافات، فإنها تعكس رغبة مشتركة في إدارة الخلافات عبر آليات سياسية بدلًا من المواجهة.
https://eurasiapeace.org/veilles-geopolitiques/turquie-egypte-de-la-rivalite-a-la-realpolitik

